ماذا لو كان على قيد الحياة؟

ﺗﺠﺎرب أﺑﻨﺎء وﺑﻨﺎت اﻟﻤﻔﻘﻮدﻳﻦ ﻓﻲ ﻣﻌﺘﻘﻼت اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺴﻮري اﻟﺴﺎﺑﻖ

تحوّل الاختفاء القسري في السياق السوري مع مرور السنوات إلى تجربة اجتماعية ممتدة أعادت تشكيل حياة العائلات على نحوٍ عميق، ليس فقط عبر غياب أحد أفرادها، بل من خلال ما أنتجه هذا الغياب من أنماط عيش، وانتظار طويل، وصمت مفروض، ومسؤوليات مبكرة. ففي ظل غياب أي مسار واضح لكشف المصير أو لتحقيق العدالة، لم يعد الغياب حدثاً يُستعاد في الذاكرة، بل أصبح حضوراً يومياً يتسلّل إلى تفاصيل الحياة الصغيرة: في القرارات الأسرية، وفي تخيّل المستقبل، وفي توزيع الأدوار داخل العائلة، وفي إدارة الأمل والخوف معاً. وتبرز تجربة أبناء وبنات المفقودين بوصفها إحدى أكثر تجارب الغياب تعقيداً، إذ لم يختبروا الفقد في مرحلة ناضجة من حياتهم، بل عاشوه في لحظات تأسيسية من الطفولة أو المراهقة، حيث كانت الذات لا تزال في طور التشكل، وكانت تصورات الأمان والانتماء والمعنى قيد البناء. نشأ كثير منهم داخل زمن الغياب نفسه، لا قبله ولا بعده، ما جعل حياتهم تتكوّن في ظل انتظار مفتوح ومعرفة ناقصة وأسئلة أخلاقية لا تجد إجابة، ويضعهم أمام تجربة نوعية تختلف في بنيتها عن تجربة الآباء والأمهات، وتتطلب مقاربة تفهم الغياب لا بوصفه فراغاً مؤقتاً، بل علاقة اجتماعية مستمرة تُعيد إنتاج آثارها عبر الزمن والأجيال.

بشكل عام، تميل غالبية الدراسات المتعلقة بالمفقودين السوريين إلى التركيز على البيانات الكمية والانطلاق من مبدأ التوثيق. حيث تهدف هذه الدراسات إلى حصر أعداد المفقودين، توثيق حالات الاعتقال، وتسجيل الانتهاكات المرتبطة بالفقد القسري. هذا النهج يوفر صورة شاملة للمدى العددي للظاهرة، لكنه يظل محدوداً من حيث فهم التجربة الإنسانية والاجتماعية للأبناء والعائلات، وخاصة إدراكهم للزمن ومعنى الانتظار، وطريقة تعاملهم مع الغياب.  كما أن غالبية هذه الدراسات، أجريت من منظور حقوقي ركز على جمع الأدلة وتوثيق الانتهاكات (بما فيها الدراسات النوعية القليلة التي حاولت تقديم فهم معمق لتجربة المفقودين من خلال الاهتمام بالبعد النفسي – العلاجي). هذا التركيز الحقوقي يظهر الفقد القسري كما لو أنه مسألة أرقام وحقوق في حين أنه في واقع الأسر تجربة تتكرر يومياً في الذاكرة والعلاقات، وتعيد تشكيل الزمن الشخصي والاجتماعي للعائلة، بحيث يتحول الزمن ذاته إلى فضاء اجتماعي تُعاد فيه صناعة الغياب كفعل مستمر، لا يطويه النسيان بل تُعيده الممارسات اليومية والذاكرة السياسية إلى الحاضر، ويُبقي التجربة حيّة في تفاصيل الحياة اليومية. وهنا تبرز أهمية النظر إلى الزمن لا كخلفية محايدة للأحداث، بل كعنصر بنيوي يُعاد تشكيله داخل تجارب الغياب القسري. فالانتظار، التعليق، التكرار، وانعدام القدرة على الإغلاق. كل هذا يصنع زمناً اجتماعياً جديداً يشترك فيه الأبناء والعائلة والمجتمع. هذا “الزمن المتصدّع” ليس تفصيلاً، بل عاملاً بنائياً يعيد تشكيل الهوية، والعلاقات، والمسؤوليات، وطريقة تخيّل المستقبل. ومن دون فهم هذا الزمن، تبقى التجربة مبتورة وناقصة. ويعكس هذا النمط من التعامل مع الغياب أن الزمن في سياق الفقد القسري لا يعمل كمسار للتقدّم، بل كآلية لإعادة إنتاج الهشاشة الاجتماعية؛ إذ تعيش العائلات حالة زمنية متصدعة، يتراجع فيها المستقبل تحت ثقل ماض لا يُطوى، ما ينعكس بدوره على إمكانيات التعافي الاجتماعي وبناء الثقة في الحاضر. وهذا الغياب في الأدبيات لا يعكس فقط نقصاً معرفياً، بل يكشف عن فجوة بنيوية في الحقول الحقوقية والسياسية التي لم تصغ آليات لفهم أثر الغياب على الزمن الاجتماعي، وعلى تشكّل الأدوار داخل العائلة، وعلى الانتقال العاطفي بين الماضي والحاضر.


لقراءة التقرير كاملاً يمكنكم الضغط هنا

مؤسسة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا
26-6-2026
دمشق – سوريا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest